السيد محمد تقي المدرسي

369

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

سألته فقلت : أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن ؟ فقال : يا ابان ؛ دعه لا ترده . قلت : بلى . جعلت فداك ؛ فلم أزل أرد عليه . فقال : يا ابان ؛ تقاسمه شطر مالك . ثم نظر اليَّ فرأى ما دخلني . فقال : يا ابان ؛ اما تعلم أن الله عز وجل قد ذكر المؤثرين على أنفسهم ؟ قلت : بلى ؛ جعلت فداك . فقال : اما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد ، انما أنت وهوسواء . انما تؤثره إذا أعطيته من النصف . « 1 » وقد حفل تاريخ صدر الاسلام بمصاديق رائعة للايثار ، أحدها ايثار الأنصار للمجاهدين على أنفسهم ، والآخر أو لئك النفر السبعة من مجاريح المؤمنين في اليرموك ، الذين حمل إليهم الماء فكان واحدهم يؤثر اخوانه على نفسه رغم الظمأ الذي يحس به المحتضر حتى استشهدوا عن اخرهم عطاشى . وقد روى أبو حمزة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا اليه الجوع ، فبعث الرسول صلى الله عليه وآله إلى بيوت أزواجه ، فقلن : ما عندنا الا الماء . فقال الرسول صلى الله عليه وآله : من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال علي ابن أبي طالب عليه السلام : انا له يا رسول الله . واتى فاطمة عليها السلام ، فقال لها : ما عندك يا ابنة رسول الله ؟ فقالت : ما عندنا إلّا قوت العشية ، لكنا نؤثر ضيفنا . فقال عليه السلام : يا ابنة محمد ؛ نومي الصبية واطفئي المصباح . « 2 » ) وجاء في حديث آخر ؛ ان رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : اطعمني ، فاني جائع . فبعث إلى أهله فلم يكن عندهم شيء ، فقال : من يضيفه هذه الليلة ؟ فاضافه رجل من الأنصار واتى به منزله ، ولم يكن عنده إلّا قوت صبية له . فاتوا بذلك اليه ، واطفأوا السراج ، وقامت المرأة إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا ، وجعلا يمضغان السنتهما لضيف رسول الله صلى الله عليه وآله ، فظن الضيف انهما يأكلان معه حتى شبع الضيف ، وباتا طاويين . فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فنظر اليهما وتبسم وتلا هذه الآية ( الحشر / 9 ) . « 3 » )

--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين / ص 287 . ( 2 ) المصدر / 286 . ( 3 ) مجمع البيان / ج 5 / ص 260 .